السيد هاشم البحراني
134
البرهان في تفسير القرآن
بعدي إلا عني ، وما في كتاب الله عز وجل آية إلا وأنا أعرفها ، وأعرف تفسيرها ، وفي أي مكان نزلت ، من سهل ، أو جبل ، وفي أي وقت من ليل أو نهار ، وإن هاهنا لعلما جما - وأشار إلى صدره - ولكن طلابه يسير ، وعن قليل يندمون لو فقدوني . كان من قصتهم - يا أخا تميم - أنهم كانوا قوما يعبدون شجرة صنوبر ، يقال لها : شاه درخت ، كان يافث بن نوح غرسها على شفير عين ، يقال لها روشاب « 1 » ، كانت أنبتت « 2 » لنوح ( عليه السلام ) بعد الطوفان ، وإنما سموا أصحاب الرس ، لأنهم رسوا « 3 » نبيهم في الأرض ، وذلك بعد سليمان بن داود ( عليه السلام ) . وكانت لهم اثنتا عشرة قرية على شاطئ نهر يقال له : الرس ، من بلاد المشرق ، وبهم سمي ذلك النهر ، ولم يكن يومئذ في الأرض نهر أغزر منه ، ولا أعذب منه ، ولا قرى أكثر ولا أعمر منها ، تسمى إحداهن آبان ، والثانية آذر ، والثالثة دي ، والرابعة بهمن ، والخامسة إسفندار ، والسادسة فروردين ، والسابعة أردي بهشت ، والثامنة خرداد ، والتاسعة مرداد ، والعاشرة تير ، والحادية عشر مهر ، والثانية عشر شهريور . وكانت أعظم مدائنهم إسفندار ، وهي التي ينزلها ملكهم ، وكان يسمى : تركوذ بن غابور بن يارش بن ساذن « 4 » بن نمرود بن كنعان فرعون إبراهيم ( عليه السلام ) ، وبها العين والصنوبرة ، وقد غرسوا في كل قرية منها حبة من طلع تلك الصنوبرة ، وأجروا إليها نهرا من العين التي عند الصنوبرة ، فنبتت الحبة ، وصارت شجرة عظيمة ، وحرموا ماء العين والأنهار ، فلا يشربون منها ، ولا أنعامهم ، ومن فعل ذلك قتلوه ، ويقولون : هو حياة آلهتنا ، فلا ينبغي لأحد أن ينقص من حياتها ، ويشربون هم وأنعامهم من نهر الرس ، الذي عليه قراهم . وقد جعلوا في كل شهر من السنة يوما ، في كل قرية ، عيدا يجتمع إليه أهلها ، فيضربون على الشجرة التي بها كلة « 5 » من حرير ، فيها من أنواع الصور ، ثم يأتون بشاة وبقر ، فيذبحونها قربانا للشجرة ، ويشعلون فيها النيران بالحطب ، فإذا سطع « 6 » دخان تلك الذبائح وقتارها « 7 » في الهواء ، وحال بينهم وبين النظر إلى السماء ، خروا للشجرة سجدا ، ويبكون ويتضرعون إليها أن ترضى عنهم ، فكان الشيطان يجيء فيحرك أغصانها ، ويصيح من ساقها صياح الصبي : إني قد رضيت عنكم - عبادي - فطيبوا نفسا ، وقروا عينا . فيرفعون رؤوسهم عند ذلك ، ويشربون الخمر ويضربون بالمعازف ، ويأخذون الدست بند « 8 » ، فيكونون على ذلك يومهم وليلتهم ، ثم ينصرفون .
--> ( 1 ) في المصدر : دوشاب ، وفي « ط » نسخة بدل : روشناب . ( 2 ) في « ج ، ي ، ط » : استنبطت ، وفي المصدر : انبطَّت . ( 3 ) رسّوه في الأرض : دسّوه فيها . « لسان العرب - رسس - 6 : 98 » . ( 4 ) في « ي » : تركود بن غابور بن بأرش بن سازن . . . وفي « ج » : تركوذ بن يارش . . . وفي المصدر : . . . يارش بن سازن . . . ( 5 ) الكلَّة : الستر الرّقيق يخاط كالبيت يتوقّى فيه من البقّ . « الصحاح - كلل - 5 : 1812 » . ( 6 ) في « ج ، ي » : سطح . ( 7 ) القتار : ريح الشواء . « الصحاح - قتر - 2 : 786 » . ( 8 ) دستبند : فارسية ، نوع من الرقص الجماعي الشبيه بالدبكّة . « المعجم الذهبي : 268 » .